الأحد، 22 يونيو، 2014

عروة بن الزُبير

قصر عروة بن الزبير بالمدينة المنورة 
عروة بن الزُبير




طلب الخليفة الوليد بن عبد الملك عروة بن الزبير لزيارته في دمشق مقر الخلافة الأموية فتجهز عروة للسفر من المدينة النبوية إلى دمشق واستعان بالله وأخذ أحد أولاده معه (وقد كان أحب ابناؤه السبعة إليه) وتوجه إلى الشام فأصيب في الطريق بمرض في رجله أخذ يشتد ويشتد حتى أنه دخل دمشق محمولاً لم يعد لديه قدرة على المشي.
انزعج الخلفية حينما رأي ضيفه يدخل عليه دمشق بهذه الصورة فجمع له أمهر الأطباء لمعالجته، فاجتمع الأطباء وقرروا أن به الآكلة (ما تسمى في عصرنا هذا الغرغرينا) وليس هناك من علاج إلا بتر رجله من الساق، فلم يعجب الخليفة هذا العلاج، ولسان حاله يقول (كيف يخرج ضيفي من بيت أهله بصحة وعافية ويأتي إلي أبتر رجله وأعيده إلى أهله أعرجاً) ولكن الأطباء أكدوا أنه لا علاج له إلا هذا وإلا سرت إلى ركبته حتى تقتله، فأخبر الخليفةُ عروةَ بقرار الأطباء، فلم يزد على أن قال (اللهم لك الحمد).
اجتمع الأطباء على عروة وقالوا: اشرب المرقد.
فلم يفعل وكره أن يفقد عضواً من جسمه دون أن يشعر به.
قالوا: فاشرب كاساً من الخمر حتى تفقد شعورك.
فأبى مستنكراً ذلك، وقال: كيف أشربها وقد حرمها الله في كتابه.
قالوا: فكيف نفعل بك إذاً ؟!
قال: دعوني أصلي فإذا أنا قمت للصلاة فشأنكم وما تريدون !! (وقد كان رحمه الله إذا قام يصلي سهى عن كل ما حوله وتعلق قلبه بالله تعالى).
 قصور ترجع للعصرين الأموي والعباسي، من أشهرها قصر عروة بن الزبير وقصر سعيد بن العاص وقصر مروان بن الحكم وقصر سعد بن أبي وقاص، وقصر سكينة بنت الحسين.
فقام يصلي وتركوه حتى سجد فكشفوا عن ساقه وأعملوا مباضعهم في اللحم حتى وصلوا العظم فأخذوا المنشار وأعملوه في العظم حتى بتروا ساقه وفصلوها عن جسده وهو ساجد لم يحرك ساكناً، وكان نزيف الدم غزيراً فأحضروا الزيت المغلي وسكبوه على ساقه ليقف نزيف الدم، فلم يحتمل حرارة الزيت، فأغمي عليه.
في هذه الأثناء أتى الخبر من خارج القصر أن ابن عروة بن الزبير كان يتفرج على خيول الخليفة، وقد رفسه أحد الخيول فقضى عليه وصعدت روحه إلى بارئها !!!
فاغتم الخليفة كثيراً من هذه الأحداث المتتابعة على ضيفه، واحتار كيف يوصل له الخبر المؤلم عن انتهاء بتر ساقه، ثم كيف يوصل له خبر موت أحب أبنائه إليه.
ترك الخلفية عروة بن الزبير حتى أفاق، فاقترب إليه وقال: أحسن الله عزاءك في رجلك؟!.
فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
قال الخليفة: وأحسن الله عزاءك في ابنك؟!.
فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أعطاني سبعة وأخذ واحداً، وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً، إن ابتلى فطالما عافا، وإن أخذ فطالما أعطى، وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.
ثم قدموا له طستاً فيه ساقه وقدمه المبتورة فقال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط وأنا أعلم.
بدأ عروة رحمه الله يعود نفسه على السير متكئا على عصى , فدخل ذات مرة مجلس الخليفة , فوجد في مجلس الخليفة شيخاً طاعناً في السن مهشم الوجه أعمى البصر فقال الخليفة : يا عروة سل هذا الشيخ عن قصته ؟!.
قال عروة: ما قصتك يا شيخ؟!
قال الشيخ: يا عروة اعلم أني بت ذات ليلة في وادٍ، وليس في ذلك الوادي أغنى مني ولا أكثر مني مالاً وحلالاً وعيالاً، فأتانا السيل بالليل فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفل صغير وبعير واحد، فهرب البعير فأردت اللحاق به، فلم أبتعد كثيراً حتى سمعت خلفي صراخ الطفل فالتفتُ فإذا برأس الطفل في فم الذئب فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدت لألحق بالبعير فضربني بخفه على وجهي، فهشم وجهي وأعمى بصري !!!.
قال عروة: وما تقول يا شيخ بعد هذا؟!
فقال الشيخ: أقول الله لك الحمد ترك لي قلباً عامراً ولساناً ذاكراً.
هكذا إخواني الكرام يكن الصبر، وهكذا يكن الإيمان بالقضاء والقدر.

رحم الله عروة بن الزبير وأكثر الله من أمثاله الذين عرفوا معنى الإيمان بالقضاء والقدر حق الإيمان، وعرفوا الصبر في المصائب حق الصبر.

الخميس، 5 يونيو، 2014

داووا مرضاكم بالصدقة

داووا مرضاكم بالصدقة



حدثت هذه القصة ببلدة ' حريملاء ' القريبة من العاصمة الرياض فقد أُصيبت إحدى النساء بمرض سرطان الدم ' أعاذنا الله واياكم منه ..
ولحاجتها للرعاية استقدمت خادمة اندونيسية،وكانت هذه المرأة صاحبة دين وخلق، وبعد مرور أسبوع تقريبا على حضور الخادمة.
لاحظت هذه المرأة المريضة أن الخادمة تمكث طويلا في دورة المياة، وأكثر من المعتاد وتتردد كثيرا على دورة الميا.
وفي إحدى المرات سألتها عن سبب بقاءها طويلا في الحمام؟!
فبكت الخادمة بكاءا شديدا.
وعندما سألتها عن سبب بكاءها؟!
قالت : انني وضعت ابني منذ عشرين يوما فقط وعندما اتصل بي المكتب في اندونيسيا، أردت اغتنام الفرصة والحضور للعمل عندكم لحاجتنا الماسة للمال، وسبب بقائي طويلا في الحمام هو ان صدري مليء بالحليب واقوم بتخفيفه!
فقامت المرأة المريضة فورا بالحجز لها في أقرب رحلة الى اندونيسيا،وصرفت لها المبلغ الذي ستتقاضاه خلال السنتين مدة العقد بالتمام والكمال ..
ثم استدعتها، وقالت لها:
هذه رواتبك لمدة سنتين مقدما اذهبي إلى إبنك وأرضعيه واعتني به، وبعد سنتين بامكانك الحضور إلينا، وأعطتها أرقام الهواتف في حال رغبتها للعودة بعد سنتين.
وبعد سفر الخادمة كان لدى المرأة موعدا لمتابعة تطور السرطان وعند الفحص الروتيني للدم، كانت المفاجاة أنهم لم يجدوا فيها أي اثر لسرطان الدم!
فطلب الدكتور منها أن تعيد التحليل عدة مرات وكانت النتيجة واحدة، فذُهل الدكتور لشفاءها لخطورة المرض، ثم حولها على الأ شعة فوجدوا أن نسبة السرطان صفر % عندها أيقن الدكتور شفاءها تماما ..
فسألها عن العلاج الذي استخدمته فكان جوابها :

قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ( داووا مرضاكم بالصدقة ) ..

الأحد، 25 مايو، 2014

صبر أيـُّوب - عليه السلام -

صبر أيـُّوب - عليه السلام -



أيوب - عليه السلام -:أتاه الله سبعة من البنين , و مثلهم من البنات، وآتاهُ الله المال , والأصحاب. وأراد الله أن يبتليه ليكون إختباراً له , و قُدوَة لغيرهِ من الناس في الصبر.!
فخَسِرَ تجارته , و مات أولاده , و إبتلاه الله بمرض شديد حتى أُقعِدَ , و نَفرَ الناس منهُ حتى رموه خارج مدينتهم خوفاً من مرضه .
ولم يبقى معه إلاَّ زوجته تخدمه حتى وصل بها الحال إلى أن تعمل عند الناس لتجد ماتسد به حاجتها و حاجة زوجها!
واستمر أيوب في البلاء  ثمانية عشر عاماً.. و هو صابر و لا يشتكي لأحد حتى زوجته .. و لما وصل بهم الحال إلى ماوصل ..
قالت له زوجته يوماً:لو دعوت الله ليُفَـرِّج عَنك؟!
فقال لها: كم لبثنا بالرخاء؟!
قالت: ثمانين سنة!
قال: إني أستحي من الله لأني مامكثت في بلائي المدة التي لبثتها في رخائي!
فعندها يَأسَت و غضبت و قالت: إلى متى هذا البلاء.؟!
فغضب و أقسم أن يضربها مائة سوط إن شفاه الله.! كيف تعترضين على قضاء الله.؟!
وبعد أيام:
خاف الناس أن تَنقِل لهم عدوى زوجها، فلم تَعُد تجد مَنْ تعمل لديه فقصَّت بعض شعرها وباعت ضفيرتها، لكي تآكل هي و زوجها.!
و سألها: من أين لكي هذا ؟! فلم تُجبهُ.!
و في اليوم التالي باعت ضفيرتها الأخرى.!
و تعجَّب منها زوجها و ألح عليها .. فكشفت عن رأسها.!
فنادى ربه نداء تأن لهُ القلوب،إستحَى مَن الله أن يطلبه الشفاء , و أن يرفع عنه البلاء . . !!
فقال كما جاء في القرآن الكريم:
{ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } فجاء الأمر مِمَّن بيدهِ الأمر . .
{ أركُض برجلك هذا مُغتَسل بَاردٌ و شراب }
فقام صحيحاً , و رجعت له صحته كما كانت ..
فجأت زوجته ولم تعرفه
فقالت:هل رأيت المريض الذي كان هنا.؟! فوالله مارأيتُ رجُلاً أشبه به إلاَّ أنت عندما كان صحيحاً.!
فقال لها: أما عرفتني.؟!
فقالت: مَنْ أنت.؟!
قال: أنا أيـُّوب.!
يقول ابن عباس رضي الله عنه:
لم يُكرمه الله هو فقط .. بل أكرم زوجته أيضاً التي صبرت معه أثناء هذا الإبتلاء .. فرجعها الله شابة و ولدت لأيوب عليه السلام ستة و عشرون ولد و بنت .. و يقال ستة وعشرون ولد من غير الإناث.!
يقول الله سبحانه وتعالى:
" واتيناه أهله و مثلهم معهم"
وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كان يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم واللّه لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه اللّه فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل، حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السلام: ما أدري ما تقول غير أن اللّه عزَّ وجلَّ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران اللّه، فارجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا اللّه إلا في حق ""رواه ابن أبي حاتم عن أنَس بن مالك مرفوعاً وفي رفعه نظر، كما قال ابن كثير: رفع هذا غريب جداً"".
قال ابن عباس: ورد عليه ماله عياناً ومثلهم معهم، وقال وهب بن منبه: أوحى اللّه إلى أيوب: قد رردت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرب عن صحابتك قرباناً واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك، وعن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لما عافى اللّه أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعله في ثوبه قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا رب ومنْ يشبع من رحمتك) ""أصل هذا الحديث في الصحيحين"".
و كان قد أقسم بأن يضرب زوجته مائة سوط،فرفِقَ الله بزوجته و أمره أن يضربها بعصى من القَش.!
كلما فَـاضَ حِمْلُكَ، وثقُلت عليك الهموم تَذكَّر صبر أيـُّوب - عليه السلام - و أعلم  أن صبرك نقطة من بحر أيوب.
سُبحانك ربي:

اللَّهُمَّ ارزقنا الصبر عند الإبتلاء، ولا تحملنا من البلاء بما لا نطيق إنك ولي ذلك والقادر عليه.

الخميس، 22 مايو، 2014

كثرة اللُّقَم تطرد النِّقَم.

كثرة اللُّقَم تطرد النِّقَم.




يحكى أن امرأةً رأت في الرؤيا أثناء نومها أنَّ رجلاً من أقاربها قد لدغته أفعى سامة فقتلته ومات على الفور ، وقد أفزعتها هذه الرؤيا وأخافتها جداً ، وفي صبيحة اليوم التالي توجهت إلى بيت ذلك الرجل وقصّت عليه رؤياها وعَبَّرَت له عن مخاوفها ، وطلبت منه أن ينتبه لما يدور حوله ، ويأخذ لنفسه الحيطة والحذر .
فنذر الرجلُ على نفسه أن يذبح كبشين كبيرين من الضأن نذراً لوجه الله تعالى عسى أن ينقذه ويكتب له السلامة من هذه الرؤيا المفزعة.
وهكذا فعل ، ففي مساء ذلك اليوم ذبح رأسين كبيرين من الضأن ، ودعا أقاربه والناس المجاورين له ، وقدم لهم عشاءً دسماً ، ووزَّعَ باقي اللحم حتى لم يبقَ منه إلا ساقاً واحدة .
وكان صاحب البيت لم يذق طعم الأكل ولا اللحم ، بسبب القلق الذي يساوره ويملأ نفسه ، والهموم التي تنغّص عليه عيشه وتقضّ مضجعه ، فهو وإن كان يبتسم ويبشّ في وجوه الحاضرين ، إلا أنه كان يعيش في دوامة من القلق والخوف من المجهول .
لَفَّ الرجلُ الساقَ في رغيفٍ من الخبز ورفعها نحو فمه ليأكل منها ، ولكنه تذكّر عجوزاً من جيرانه لا تستطيع القدوم بسبب ضعفها وهرمها ، فلام نفسه قائلاً : لقد نسيت تلك العجوز وستكون الساق من نصيبها.
فذهب إليها بنفسه وقدّم لها تلك الساق واعتذر لها لأنه لم يبقَ عنده شيء من اللحم غير هذه القطعة. سُرَّت المرأةُ العجوز بذلك وأكلت اللحم ورمت عظمة الساق.
وفي ساعات الليل جاءت حيّة تدبّ على رائحة اللحم والزَّفَر ، وأخذت تُقَضْقِضُ ما تبقى من الدهنيات وبقايا اللحم عن تلك العظمة ، فدخل شَنْكَل عظم الساق في حلقها ولم تستطع الحيّة التخلّص منه ، فأخذت ترفع رأسها وتخبط العظمة على الأرض وتجرّ نفسها إلى الوراء وتزحف محاولة تخليص نفسها ، ولكنها عبثاً حاولت ذلـك ، فلم تُجْدِ محاولاتها شيئاً ولم تستطع تخليص نفسها .

وفي ساعات الصباح الباكر سمع أبناء الرجل المذكور حركة وخَبْطاً وراء بيتهم فأخبروا أباهم بذلك ، وعندما خرج ليستجلي حقيقة الأمر وجد الحيّة على تلك الحال وقد التصقت عظمة الساق في فكِّها وأوصلها زحفها إلى بيته ، فقتلها وحمد الله على خلاصه ونجاته منها ، وأخبر أهله بالحادثة فتحدث الناس بالقصة زمناً ، وانتشر خبرها في كلّ مكان ، وهم يرددون المثل القائل : كثرة اللُّقَم تطرد النِّقَم.

أي كثرة التصدق بالطعام تدفع عنك البلايا. عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وافشئ السلام وصلى بالليل والناس نيام

الأحد، 27 أبريل، 2014

رجال صدقوا مع الله

رجال صدقوا مع الله



أبو أيوب سليمان بن يسار"، مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث . أحد فقهاء المدينة السبعة، كان عالما ثقة عابدا ورعا حجة، كثير الصيام، فقيها كبيرا لذا كان سعيد بن المسيب سيد الفقهاء في عصره إذا سأله أحد في معضلة، يقول له: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه أعلم منْ بقي اليوم، ويقول الإمام مالك عنه: كان سليمان من علماء الناس بعد سعيد بن المسيب ، وكان كثيرا ما يوافقه.
وكان حسن الهيئة جميل الوجه، وقد جر عليه جمال وجهه بعض المتاعب وعرضه لبعض الفتن التي عصمه الله منها لخشيته وتقواه فقد قام برحلة من المدينة إلي مكة هو ورفيق له، ولما وصلا إلي الأبواء ضربا خيمة أقاما بها، وذهب رفيقه إلي السوق يشتري بعض ما يحتاجون إليه، وبصرت به أعرابية كانت تقيم بالجبل المطل على الخيمة، فأخذ حسنه وجمال وجهه بلبها، فانحدرت إليه في الخيمة، وجلست بين يديه، وأسفرت عن وجهها.
يقول راوي الخبر فبدا كأنه فلقة قمر، وتحدثت إليه، فظن أنها تريد طعاما، فقام إلي ما عنده من طعام ليعطيها إياه.
فقالت: لست أريد هذا إنما أريد ما يكون من الرجل إلي أهله.
فقال: جهزك إلي إبليس، ثم وضع رأسه بين كفيه وأخذ يبكي وينتحب.
فلما رأت منه ذلك، أسدلت برقعها على وجهها، وانصرفت عائدة إلي خيمتها. ولما عاد صاحبه، وقد ابتاع ما يحتاجان إليه، ورآه وقد انتفخت عيناه من البكاء، وانقطع حلقه.
فقال له: ما يبكيك؟!
قال: خيرا  ذكرتُ صبيتي.
قال: لا، إن لك قصة، إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها.
ولم يزل به حتى أخبره بشأن الإعرابية فوضع ما جاء به وانخرط في بكاء حار، ودهش سليمان من بكاء صاحبه.
وسأله: ما يبكيك؟!
قال: أنا أحق بالبكاء منك.
قال: فلم؟!
قال: لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها.
وقال راوي الخبر: فمازالا يبكيان.
فلما انتهى سليمان إلي مكة، وطاف وسعى، أتى الحجر، واحتبى بثوبه، فنعس، فإذا به يرى في النوم: رجلا وسيما جميلا طوالا، له شارة حسنة، ورائحة طيبة.
فسأله سليمان: منْ أنت رحمك الله؟!
قال: أنا يوسف بن يعقوب.
قال: يوسف الصديق؟!
قال: نعم.
قلتْ: إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لشأنا عجيبا.
فقال له يوسف: شأنك وشأن صاحبة، الأبواء أعجب.
وهذا الخبر يدل على ما كان يتمتع به سليمان بن يسار من عفة وأمانة وتقوى لله ومراعاة لحرماته وخشية منه. وكان شأن سليمان شأن الفقهاء في عصره يبدو نظيف الثياب، حسن المظهر. وقد عاش سليمان ثلاثا وسبعين سنة وتوفى على أرجح الأقوال عام سبعة ومائة للهجرة. فرحمه الله وأجزل مثوبته


الجمعة، 25 أبريل، 2014

تصدق في اليُسر فأنقذته الصدقة في العُسر

تصدق في اليُسر فأنقذته الصدقة في العُسر



روى الإمام الشوكاني في كتابه الرائع «البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع» في المجلد رقم (1) ص493، في ترجمة علي بن محمد بن أحمد البكري من علماء اليمن في القرن التاسع الهجري، روى هذه القصة العجيبة في فضل الصدقة، وقد نص على تواترها وانتشارها بين أرجاء القطر اليماني على اتساعه وضعف الاتصالات بين أهله لوعورة طرقه وسبله، وذلك حتى لا يبقى لطاعن ولا متهكم على أمثال هذه القصص سبيل، وحتى لا نتهم بتغييب العقول أو تكريس الخرافات كما سبق وفعل ذلك بعض دعاة الزمان، والله عز وجل وكيلنا وحسيبنا.

ومفاد هذه القصة أن رجلاً من أهل بلدة باليمن تسمى الحمرة وتقع في غرب اليمن قريبًا من ساحل البحر الأحمر، كان يعمل بالزراعة، ومشهورًا بالصلاح والتقوى وكثرة الإنفاق على الفقراء وخاصة عابري السبيل، وقد قام هذا الرجل ببناء مسجد، وجعل فيه كل ليلة سراجًا يوقد لهداية المارة وطعام عشاء للمحتاجين، فإن وجد من يتصدق عليه أعطاه الطعام وإلا أكله هو وقام يصلي لله عز وجل تنفلاً وتطوعًا، وهكذا دأبه وحاله.
وبعد فترة من الزمن وقع القحط والجفاف بأرض اليمن، وجفت مياه الأنهار وحتى الآبار، وكان هذا الرجل يعمل في الزراعة، ولا يستغني عن الماء لحياته وزراعته، وكانت له بئر قد غار ماؤها، فأخذ يحتفرها هو وأولاده، وأثناء الحفر وكان الرجل في قعر البئر انهارت جدران البئر عليه، وسقط ما حول البئر من الأرض واردم البئر كله على الرجل، فيأس منه أولاده، ولم يحاولوا استخراجه من البئر وقالوا قد صار هذا قبره وبكوا عليه وصلوا واقتسموا ماله ظنًا منهم وفاته.
لم يعلم الأولاد ما جرى لأبيهم في قاع البئر المنهار، ذلك أن الرجل الصالح عندما أنهدم البئر كان قد وصل إلى كهف في قاع البئر، فلما انهارت جدران البئر سقطت منه خشبة كبيرة منعت باقي الهدم من الحجارة وغيرها أن تصيب الرجل، وبقي الرجل في ظلمة الكهف ووحشته لا يرى أصابعه من شدة الظلمة، وهنا وقعت الكرامة وجاء الفرج بعد الشدة، وظهر دور الصدقة في أحلك الظروف، إذ فوجئ الرجل الصالح بسراج يزهر فوق رأسه عند مقدمة الكهف أضاء له ظلمات قبره الافتراضي، ثم وجد طعامًا هو بعينه الذي كان يحمله للفقراء في كل ليلة، وكان هذا الطعام يأتيه كل ليلة وبه يفرق ما بين الليل والنهار، ويقض وقته في الذكر والدعاء والمناجاة والصلاة.
ظل العبد الصالح حبيس قبره ورهين بئره ست سنوات، وهو على حاله التي ذكرناها، ثم بدا لأولاده أن يعيدوا حفر البئر وإعمارها من جديد، فحفروها حتى وصلوا إلى قعرها حيث باب الكهف، وكم كانت المفاجأة مروعة والدهشة هائلة عندما وجدوا أباهم حيًا في عافية وسلامة، فسألوه عن الخبر فأخبرهم وعرفهم أن الصدقة التي كان يحملها كل ليلة بقيت تحمل له في كربته وقبره كل ليلة حتى خرج من قبره بعد ست سنوات كاملة.
إخواني:
كم من صدقة أنقذت صاحبها، وكم أطفئت من غضب رب السماء، وكم من همّ وضيق وكربة فرجتها الصدقة الخالصة التي وضعها العبد المؤمن في كف فقير فوقعت أولاً في يد الرحمن، فكانت لصاحبها نورًا وبرهانًا ونجاة في الدنيا والآخرة…. والآيات والأحاديث والآثار التي تدعو للصدقة وتحض عليها وتبين فضلها كثيرة جدًا، والمواقف من حياة المتصدقين وواقعهم كثيرة، كلها ذات عبر ودلالات وتؤكد للسامع والقارئ ومن قبل المشاهد المعاصر على عظم مكانة الصدقة، وأهميتها ودورها الخفي والذي قد لا يشعر به كثير من الناس حتى من المتصدقين أنفسهم في إنقاذ صاحبها من النوازل والبلايا العظيمة، تمامًا مثلما حدث للثلاثة الذين حبسوا في الغار.